متابعة القراءة »
في هذا الجزء الثاني، أعود إلى إحدى البنى العميقة التي أسهمت في تشكيل تلك التحولات، ألا وهي النيوليبرالية، ليس فقط كسياسة اقتصادية أو تيار فكري، بل كمنظومة متكاملة من آليات السلطة والتطويع والتحكم، تتسلل إلى كل مجالات الحياة، من السوق إلى الدين، ومن الدولة إلى الفرد، متخفية أحيانًا خلف خطاب "الحرية" و"التحرر".
إن النيوليبرالية ليست مجرد مرحلة اقتصادية، بل هي نظام هيمنة عابر للقطاعات، يُعيد تعريف السلطة وشرعيتها، ويُعيد رسم علاقة الدولة بالمجتمع، والاقتصاد بالدين، والسلطة بالثقافة. وفي هذا الكتاب، أحاول تفكيك هذه المنظومة من خلال دراسات متعددة تبحث في الخلفيات النظرية، والتطبيقات العملية، والتأثيرات الجيوسياسية والاجتماعية التي ولّدتها.
وإذا كان "رُسو العالم" قد تتبع خارطة النظام العالمي وتمفصلات القوى الدولية في القرن الحادي والعشرين، فإن هذا الجزء يسبر أغوار أحد أكثر محركات هذا النظام تعقيدًا وغموضًا، عبر التركيز على البنية النيوليبرالية كقوة خفية تقود التحول، وتنتج الشرعية، وتصوغ العنف الناعم بآليات اقتصادية ودينية.
إننا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى إعادة قراءة المسلمات حول الدولة، والسوق، والدين، والسلطة، وفهم كيف تمّت إعادة تشكيلها تحت وطأة النيوليبرالية. وهذا ما يسعى هذا الكتاب إلى مقاربته، عبر أدوات نقدية وتحليلية تمتد من النظرية إلى الواقع.

0 Reviews